السيد كمال الحيدري
353
اللباب في تفسير الكتاب
وأثبت مكانها الضلال في طوائف ، حيث قال : ( وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) ( الجمعة : 5 ) ، وقال : ( وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) ( الصفّ : 5 ) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة ، والهداية العامّة لا تنفى عن شئ من خلقه . وكذا يظهر أيضاً أنّ هذه الهداية غير الهداية العامّة الموجودة لكلّ إنسان مؤمناً كان أو كافراً ، كما في قوله تعالى : ( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ) ( الدهر : 3 ) ، وقوله : ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ) ( فصّلت : 17 ) فإنّ ما في هاتين الآيتين ونظائرهما من الهداية لا يعمّ غير أرباب الشعور والعقل ، وقد عرفت أنّ ما في قوله : ( الَّذِى أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) ( طه : 50 ) وقوله : ( الَّذِى خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى ) ( الأعلى : 3 2 ) عامّ من حيث المورد والغاية جميعاً . وكيفما كان فهذا النوع من الهداية يشمل ويعمّ كلّ شئ من ذوى الشعور والعقل وغيرهم ، وهى هدايته كلّ شئ إلى كمال وجوده وإيصاله إلى غاية خلقته ، وهى التي بها نزوع كلّ شئ إلى ما يقتضيه قوام ذاته من نشوء واستكمال وأفعال وحركات وغير ذلك . والحاصل أنّ كلامه تعالى يدلّ على أنّ الأشياء إنّما تنساق إلى غاياتها وآجالها بهداية عامّة إلهيّة لا يشذّ عنها شاذّ . وهذه هي بمعنى الإيصال إلى المطلوب لا إراءة الطريق . الهداية الفطريّة سمّى القرآن الهداية التكوينيّة العامّة في الإنسان بالهداية الفطريّة ، حيث قال : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) ( الروم : 30 ) ، فالإنسان كسائر الأنواع المخلوقة مفطور بفطرة تهديه إلى تتميم نواقصه ورفع حوائجه ، وتهتف له بما ينفعه وما يضرّه في حياته . ولا تختصّ الهداية الفطريّة بالأمور التكوينيّة فقط ، وإنّما تشمل